حسن ابراهيم حسن

309

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

الدين البلاد إلى إقطاعات كبيرة وسكنوا القصور الفخمة ، وانصرفوا إلى اللهو وماتت فيهم حمية آبائهم الشجعان ، وتركوا الصناعة والزراعة في أيدي الأرقاء الذين كانوا يعيشون في ذل وضعة كما أثقلوا كاهل الطبقة الوسطى من الزراع والتجار بالضرائب . وقد اتبع رجال الدين - الذين كانوا يشيدون بالأخوة المسيحية بعد أن أثروا وملكوا الضياع الواسعة - السياسة الموروثة وعاملوا عبيدهم وخولهم بالعسف كما كان يفعل أثرباء الرومان وأغنياء القوط من بعدهم . « وقد كسب رجال الذين - كما يقول سير توماس أرنولد « 1 » - لطائفتهم نفوذا راجحا في شؤون الدولة . وجلس الأساقفة وكبار رجال الدين في المجالس الوطنية التي كانت تجتمع لإقرار الشؤون الهامة في الدولة والمصادقة على انتخاب الملك ، وادعت لنفسها الحق في عزله إذا أبى الإذعان لقراراتهم . واتخذ القسس من من وراء هذه القوة التي وصلوا إليها سبيلا لاضطهاد اليهود الذين كانوا طائفة كبيرة العدد في أسبانيا . وصدرت الأوامر المشددة ضد كل من امتنع عن الدخول في المسيحية » ، وحاول اليهود إشعال الثورة مرارا لما نزل بهم من الضيق والعسف ، ولكنهم أخفقوا في محاولاتهم ونهبت ديارهم واضطر كثير منهم إلى اعتناق المسيحية . وكانت الطبقة الدنيا تشمل العبيد الذين انصرفوا إلى زراعتها . أما الطبقة الوسطى فقد كانت تلاقى من ضنك العيش شرا مما كان يلاقيه العبيد ، فكان يقع عليهم عبء الإنفاق على الدولة ، فهم الذين يؤدون الضرائب ويجمعون الأموال للأغنياء مما جر إلى خراب هذه الطبقة وإفلاسها « 2 » . هذا إلى ما أصاب أسبانيا من بؤس وشقاء ؛ فقد قيل إن الوباء تفشى في سنى 88 ، 89 ، 90 ه حتى مات أكثر من نصف سكانها . تلك هي حال بلاد الأندلس في الوقت الذي كان أهل شمالي إفريقية يتمتعون بحكم العرب ويعمون بعدلهم . فلا عجب إذا تمنى الأسبان ، وبخاصة اليهود والعبيد ، الخلاص من نير الحكم القوطى الجائر ، ولا يأبهون لتغلب

--> ( 1 ) الدعوة إلى الإسلام ، ترجمة 154 - 155 . ( 2 ) لينبول : العرب في أسبانيا ، ترجمة على الجارم ص 5 - 6 ، 8 .